أبي بكر الكاشاني

174

بدائع الصنائع

أربعة أشهر الا ان العدو أو السلطان منعه عن ذلك فان فيأه لا يكون الا بالفعل ويمكن أن يوفق بين القولين في الحبس بان يحمل ما ذكره القاضي على أن يقدر أحدهما على أن يصل إلى صاحبه في السجن والوجه في المنع من العدو أو السلطان ان ذلك نادر وعلى شرف الزوال فكان ملحقا بالعدم وأما الحكمي فمثل أن يكون محرما وقت الايلاء وبينه وبين الحج أربعة أشهر وإذا عرف هذا فنقول لا خلاف في أنه إذا كان عاجزا عن الجماع حقيقة انه ينتقل الفئ بالجماع إلى الفئ بالقول واختلف أصحابنا فيما إذا كان قادرا على الجماع حقيقة وعاجزا عنه حكما أنه هل يصح الفئ بالقول قال أصحابنا الثلاثة لا يصح ولا يكون فيؤه الا بالجماع وقال زفر يصح وجه قوله إن العجز حكما كالعجز حقيقة في أصول الشريعة كما في الخلوة فإنه يستوى المانع الحقيقي والشرعي في المنع من صحة الخلوة كذا هذا ولنا أنه قادر على الجماع حقيقة فيصير ظالما بالمنع فلا يندفع الظلم عنها الا بايفائها حقها بالجماع وحق العبد لا يسقط لأجل حق الله تعالى في الجملة لغنا الله عز وجل وحاجة العبد والثاني دوام العجز عن الجماع إلى أن تمضي المدة حتى لو قدر على الجماع في المدة بطل الفئ بالقول وانتقل إلى الفئ بالجماع حتى لو تركها ولم يقربها في المدة حتى مضت تبين لما ذكرنا أن الفئ باللسان بدل عن الفئ بالجماع ومن قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل بطل حكم البدل كالمتيمم إذا قدر على الماء في الصلاة وكذا إذا آلى وهو صحيح ثم مرض فإن كان قدر مدة صحته ما يمكن فيه الجماع ففيؤه بالجماع لأنه كان قادرا على الجماع في مدة الصحة فإذا لم يجامعها مع القدرة عليه فقد فرط في ايفاء حقها فلا يعذر بالمرض الحادث وإن كان لا يمكنه فيؤه بالجماع لقصره ففيؤه بالقول لأنه إذا لم يقدر على الجماع فيه لم يكن مفرطا في ترك الجماع فكان معذورا ولو آلى وهو مريض فلم يفئ باللسان إليها حتى مضت المدة فبانت ثم صح ثم مرض فتزوجها وهو مريض ففاء إليها باللسان صح فيؤه في قول أبي يوسف حتى لو تمت أربعة أشهر من وقت التزوج لا تبين وقال محمد لا يصح ( وجه ) قوله أنه إذا صح في المدة الثانية فقد قدر على الجماع حقيقة فسقط اعتبار الفئ باللسان في تلك المدة وإن كان لا يقدر على جماعها الا بمعصية كما إذا كان محرما ففاء بلسانه أنه لم يصح فيؤه باللسان لكونه قادرا على الجماع حقيقة وإن كان لا يقدر عليه الا بمعصية كذا هذا ولأبي يوسف أن الصحة إنما تمنع الفئ باللسان للقدرة على ايفائها حقها في الجماع ولا حق لها في حالة البينونة فلا تعتبر الصحة مانعة منه والثالث قيام ملك النكاح وقت الفئ بالقول وهو أن تكون المرأة في حال ما يفئ إليها زوجته غير بائنة منه فإن كانت بائنة منه ففاء بلسانه لم يكن ذلك فيأ ويبقى الايلاء لان الفئ بالقول حال قيام النكاح إنما يرفع الايلاء في حق حكم الطلاق لحصول ايفاء حقها به ولا حق لها حالة البينونة على ما نذكره ولا يعتبر الفئ وصار وجودها والعدم بمنزلة فيبقى الايلاء فإذا تزوجها ومضت المدة تبين منه بخلاف الفئ بالفعل وهو الجماع انه يصح بعد زوال الملك وثبوت البينونة حتى لا يبقى الايلاء بل يبطل لأنه حنث بالوطئ فانحلت اليمين وبطلت ولم يوجد الحنث ههنا فلا تنحل اليمين فلا يرتفع الايلاء ثم الفئ بالقول عندنا إنما يصح في حق حكم الطلاق حتى لا يقع الطلاق بمضي المدة الا في حق الحنث لان اليمين في حق حكم الحنث باقية لأنها لا تنحل الا بالحنث والحنث إنما يحصل بفعل المحلوف عليه والقول ليس محلوفا عليه فلا تنحل به اليمين هذا الذي ذكرنا مذهب أصحابنا وقال الشافعي لا فئ الا بالجماع واليه مال الطحاوي ووجهه ان الفئ بالحنث ولا حنث باللسان فلا يحصل الفئ به وهذا لان الحنث هو فعل المحلوف عليه والمحلوف عليه هو القربان فلا يحصل الفئ الا به ولنا اجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روى عن علي رضي الله عنه وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أنهم قالوا الفئ عند العجز بالقول وكذا روى عن جماعة من التابعين مثل مسروق والشعبي وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ولان الفئ في اللغة هو الرجوع يقال فاء الظل أي رجع ومعنى الرجوع في الايلاء هو أنه بالايلاء عزم على منع حقها في الجماع وأكد العزم باليمين فبالفئ رجع عما عزم والرجوع كما يكون بالفعل يكون بالقول وهذا لان وقوع الطلاق لصيرورته ظالما بمنع حقها والظلم عند القدرة على الجماع بمنع حقها في الجماع فيكون إزالة الظلم بإيفاء حقها في الجماع فيكون إزالة هذا الظلم بذكر ايفاء حقها في الجماع أيضا وعند العجز عن الجماع يكون بايذائه إياها منع حقها